فصل: تفسير الآية رقم (15):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12)}
كما يريهم البرقَ- في الظاهر- فيكونون بين خوفٍ وطمعٍ؛ خوفٍ من إحباس المطر وطمع في مجيئه. أو خوفٍ للمسافر من ضرر مجيء المطر، وطمع للمقيم في نفعه.. كذلك يُريهم البرقَ في أسرارهم بما يبدو فيها من اللوائح ثم اللوامع ثم كالبرق في الصفاء، وهذه أنوار المحاضرة ثم أنوار المكاشفة.
{خَوْفًا}: من أن ينقطع ولا يبقى،: {وَطَمَعًا}: في أن يدومَ فيه نقلُ صاحبه من المحاضرة إلى المكاشفة، ثم من المكاشفة إلى المشاهدة، ثم إلى الوجود ثم دوام الوجود ثم إلى كمال الخمود.
ويقال: {يَرِيكُمُ الْبَرْقَ}: من حيث البرهان، ثم يزيد فيصير كأقمار البيان، ثم يصير إلى نهار العرفان. فإذا طلعت شموسُ التوحيدِ فلا خفاءَ بعدها ولا استتار ولا غروب لتلك الشموس، كما قيل:
هي الشمسُ إلا أَنَّ للشمس غيبة ** وهذا الذي نَعْنيه ليس يغيب

ويقال تبدو لهم أنوار الوصال فيخافون أن تجنَّ عليهم ليالي الفرقة، فَقَلَّمَا تخلو فرحةُ الوصال من أن تعقبها موجة الفراق، كما قيل:
أي يوم سررتني بوصالٍ ** لم تَدَعْني ثلاثةً بصدود؟!

قوله جلّ ذكره: {وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ}.
إذا انتاب السحابةَ في السماء ظلامٌ في وقتٍ فإنه يعقبه بعد ذلك ضحكُ الرياض، فَمَا لَمْ تَبْكِ السماءُ لا يضحكُ الروضُ، كما قيل:
ومأتمٌ فيه السماءُ تبكي ** والأرضُ من تحتها عَرُوسُ

كذلك تنشأ في القلب سحابة الطلب، فيحصل للقلب ترددُ الخاطر، ثم يلوح وجهُ الحقيقة، فتضحكُ الروح لفنونِ راحاتِ الأُنْس وصنوفِ ازهارِ القُرْب.
قوله جلّ ذكره: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}.
أي الملائكة أيضًا تسبح من خوفه تعالى.
قوله جلّ ذكره: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ في اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ}.
قد يكون في القلب حنين وأنين، وزفير وشهيق. والملائكة إذا حصل لهم على قلوب المريدين- خصوصًا- اطلاعٌ يبكون دَمًا لأَجْلهم، لاسيما إذا وقعت لواحدٍ منهم فترةُ، والفترةُ في هذه الطريقة الصواعقُ التي يصيب بها من يشاء، وكما قيل:
ما كان ما أَوْلَيْتَ مِن وَصْلنا ** إلا سراجًا لاح ثم انْطَفا

قوله جلّ وذكره: {لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعَونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بشيء إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالغِهِ}.
دواعي الحق تصير لائحةً في القلوب من حيث البرهان فمن استمع إليها بسمع الفهم، استجاب لبيان العلم. وفي مقابلتها دواعي الشيطان التي تهتف بالعبد بتزيين المعاصي، فمن أصغى إليها بسمع الغفلة استجاب لصوت الغَيّ، ومعها دواعي النّفْس وهي قائدةٌ للعبد بزمام الحظوظ، فمن رَكَنَ إليها ولاحَظَها وقع في هوانِ الحِجاب.
ودواعي الحقِّ تكون بلا واسطة مَلَكٍ، ولا بدلالة عقل، ولا بإشارة علم، فمن أسمعه الحقُّ ذلك استجاب لا محالَة لله بالله.
قوله جلّ ذكره: {وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ في ضَلاَلٍ}.
هواجس النَّفسِ ودواعيها تدعو- في الطريقة- إلى الشّركِ، وذلك بشهود شيءٍ منكَ، وحسبان أمرٍ لَكَ، وتعريجٍ في أوطان الفرْق، والعَمَى عن حقائق الجَمْع. اهـ.

.تفسير الآية رقم (15):

قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (15)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كانت دعوة الأمر واضحة السبل جلية المناهج في جميع كتبه، وكلها إلى الناظرين وبين دعوة الحكم بقوله: {ولله} أي الملك الأعلى: {يسجد} أي يخضع وينقاد ويتذلل كما بين عند قوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} [هود: 119]: {من في السماوات والأرض} لجميع أحكامه النافذة وأقضيته الجارية: {طوعًا} والطوع: الانقياد للأمر الذي يدعى إليه من قبل النفس: {وكرهًا} قال الرازي رحمه الله: والكافر في حكم الساجد وإن أباه لما به من الحاجة الداعية إلى الخضوع، واعلم أن سجود كل صنف هو تذلله وتسخره وانقياده لما أريد له، فكل موجود جماد وحيوان عاقل وغير عاقل وروحاني وغير روحاني مسخر لأمر من له الخلق والأمر؛ وقال الشيخ محيي الدين النووي- رضى الله عنهم- في شرح المهذب: أصله- أي السجود- الخضوع والتذلل، وكل من تذلل وخضع فقد سجد، وسجود كل موات في القرآن طاعته لما سخر له- هذا أصله في اللغة، ثم قيل لمن وضع جبهته في الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع.
ولما كانت الظلال مسخرة لما أراد سبحانه، لا قدرة لأحد على تغيير ذلك بوجه، قال: {وضلالهم} أي أيضًا تسجد له بامتدادها على الأرض، تقصر تارة بارتفاع الشمس وتطول أخرى بانحطاطها، لا يقدرون على منع ظلالهم من ذلك حيث يكون لهم ظلال، وذلك: {بالغدو} جمع غداة، وهي البكرة: أول النهار: {والآصال} جمع أصيل، دائمًا في جميع البلاد، وفي وسط النهار في بعض البلاد؛ والظل: ستر الشخص ما بإزائه، والفيء: الذي يرجع بعد ذهاب ضوئه، والأصيل: العشيّ ما بين العصر إلى المغرب- كأنه أصل الليل الذي ينشأ منه.
ومادة صلا- واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الأحد عشر، وهي: صلو، صول، لصو، لوص، وصل، صلي، صيل، لصي، ليص، أصل، صأل- تدور على الوصالة، فالصلاة وصلة بين العبد وربه سواء كانت دعاء أو استغفارًا أو رحمة أو حسن الثناء من الله على رسوله، أو ذات الأركان، وصلوات اليهود لمتعبداتهم من ذلك في الأصل، والصلا: وسط الظهر منا، أو من كل ذي أربع، أو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بين الجاعرة والذنب- يجوز أن يكون من ذلك، لأنه يقرب من غيره من الأعضاء إذا انثنى الحيوان، ويجوز أن يكون شبه بالعود المعوج الذي يقوم بإصلائه النار، وأصلت الناقة وصليت- إذا استرخى صلواها لقرب نتاجها، والمصلّي من خيل الحلبة: الذي يجيء على إثر السابق، فإنه يواصله، وصلى الحمار أتنه: طردها وقحمها الطريق- فكأنه بذلك قومها بعد أن كانت معوجة، أو أراد مواصلتها؛ صال الرجل صولة- إذا سطا واستطال، لأن ذلك مواصلة على وجه القهر والغلبة، وكذا صال الفحل على الإبل- إذا قاتلها، والعير- إذا حمل على العانة فشلها، وصال على كذا: وثب، وصاوله: واثبه، والتصويل: إخراجك الشيء بالماء، لأن ذلك سبب الخلوص، وإذا خلص الشيء تواصلت أجزاؤه، لأن ذلك المخرج كان حائلًا بينها، والتصويل- أيضًا: كنس نواحي البيدر، لأنه سبب لتواصل ما كان متفرقًا، ومن ذلك المصول- كمنبر: شيء ينقع فيه الحنظل لتذهب مرارته، وبهاء: المكنسة، والصيلة- بالكسر: عقدة العذبة- لتواصل محل العقد بعضه ببعض وبه يتماسك اتصال بعض العمامة ببعض، والجراد يصول في مشواه، من التصويل، أي يساط، بمعنى يخلط بالتقليب فيتواصل منه ما كان متفرقًا، وصال يصيل- لغة في يصول، وصيل له- كذا بالكسر: قيض وأتيح، لأنه صار مقارنًا له، ولصوت الرجل عبته وقذفته- لأنك وصلت به العيب، وفلان لا يلصو إلى ريبة، أي لا ينضمُّ إليها ولا ينضاف؛
واللوص: اللمح من خلل باب ونحوه كالملاوصة- كأنه وصلة بالنظر من موضع غير معهود، أو لأنه سبب الوصلة إلى ما يراد، ولاوص: نظر كأنه يختل ليروم أمرًا، والشجرة: أراد أن يقطعها بالفأس، فلاوص في نظره يمنة ويسرة كيف يأتيها وكيف يضربها- لأن حاصل ذلك المواصلة على وجه الشدة كما تقدم في صال عليه، وتلوص: تلوى وتقلب، ومنه أليص- أي أرعش، وألاصه على الشيء: أداره عليه وأراده منه- كأنه طلب منه مواصلته، واللواص- كسحاب: الفالوذ كالملوص كمعظم، والعسل الصافي- لأنه أهل للمواصلة، ولوص: أكل، واللوص: وجع الأذن والنحر، واللوصة؛ وجع الظهر- كأنه لشدته لا مواصل للبدن سواه، ولاص: حاد- أي سلب الوصلة؛ والوصلة- التي هي مدار المادة وكأنها الحقيقة التي تشعبت منها فروعها- هي الضم وهي التئام الشيء بالشيء، وكل ما اتصل بشيء فالذي بينهما وصلة، وضدها الفرقة، والوصل: ضد القطع، والأوصال المفاصل ومجتمع العظام، لأنها موضع اتصال العظم بالآخر، والوصلان- بالكسر والضم: طبقًا الظهر، ويقال: هما العجز والفخذ، والوصيلة: الشاة تلد ذكرًا ثم تلد أنثى، فتصل أخاها، وفيها خلاف كثير كله يدور على الوصلة، ووصل الشيء بالشيء: لأمه، ووصل الشيء وإلى الشي: بلغه وانتهى إليه، وأوصله واتصل: لم ينقطع، ووصله وواصله- كلاهما يكون في عفاف الحب ودعارته، والوصائل جمع وصيلة- لثياب حمر مخططة يمنية يتخذها الناس دروعًا يشق من جانبيها، كأنه لأنها توصل بغيرها أو يقطع بعضها ثم يوصل بها لتصير دروعًا، والوصيلة: العمارة والخصب والرفقة والسيف- لأن ذلك أهل لأن يوصل، والوصيلة: كبة الغزل لشدة التباس بعضها ببعض، والأرض الواسعة- لأن اتصالها لم يحل بينه جبال، وليلة الوصل: آخر ليالي الشهر، لأنها تصل بين الشهرين، وحرف الوصل: الذي بعد الروي- لأنه وصل حركة حرف الروي، ووصيلك: من يدخل ويخرج معك، وتَصِلُ: بئر ببلاد هذيل، واتصل الرجل- إذا انتسب، لأنه وصل نفسه بمن انتسب إليهم، والموصول: دابة كالدبر تلسع الناس، كأنه من السلب؛ وصليت اللحم: شويته- لأنك وصلته بالنار، وصليته: ألقيته في النار للإحراق، والصلاء- ككساء: الشواء أو النار كالصلى فيهما، وكأن منه: صلّىعصاه على النار، أي أحماها ليقومها- لأن كلًا منهما وصله بالنار للإصلاح، وأصليته النار: أدخلته إياها وأثويته فيها، وصلى يده بالنار: سخنها- لأنه وصلها بها، وصلي النار- كرضي: قاسى حرها، وصليت فلانًا: درايته وخاتلته وخدعته- كل ذلك لإرادة مواصلته لأمر، والصلاية- ويهمز: الجبهة، لكثرة مباشرتها الأرض في الصلاة، ومدق الطيب- لمواصلة الدق، وصليت للصيد تصلية- إذا نصبت له شركًا ليقع فيه فتصل إليه، ومنه الحديث: «إن للشيطان مصالي وفخوخًا» جمع مصلاة وفخ، والصليان- بكسر ثم تشديد- قال في مختصر العين: نبت معروف، وقال القزاز: وهو شجر له جعثن ضخم، ربما جرد وسطه ونبت ما حوله، وهو من أفضل المراعي وهو خبز الإبل، وقيل: إن الخيل تأكله ولونه أصهب- انتهى.
فسمي بذلك لكثرة مواصلة الإبل له؛ ولصيت الرجل كرميت ورضيت- إذا عبته وقذفته بالفجور، وقال القزاز: وقيل: هو أن يضيفه إلى ربية، ولصي إليه: انضم إليه لريبة؛ ولاص يليص: حاد، ولصته أليصه وألصته- إذا أزعجته أو حركته لتنتزعه- كأنه من السلب، وألصته عن كذا- إذا راودته عنه، يمكن أن يكون سلبًا وأن يكون إيجابًا؛ والأصل: أسفل كل شيء- لأن جميع الأشياء واصله إليه، وأصل- ككرم: صار ذا أصل أو ثبت أو رسخ كتأصل، والرأي: جاد- كل ذلك تشبيه بالأصل، والأصيل: من له أصل، والعاقب الثابت الرأي، وقد أصل- ككرم، والأصيل: العشيّ- لأنه وصلة ما بين النهار والليل، أو الليل، أو لأنه لما آذن بتصرم النهار كان كأنه اجتثه من أصله، ومنه الأصيل- للهلاك والموت كالأصيلة فيهما، ولقيتهم مؤصلًا أي بالأصيل، وأخذه بأصلته- محركًا، وأصيلته أي كله بأصله، وأصيلتك: جميع مالك أو نخلتك، والأصل- ككتف: المستأصل، وأصله علمًا: قتله- كأنه أدام مواصلته حتى أتقنه، والأصلة- محركة: حية قصيرة تساورالإنسان- قاله في مختصر العين، وفي القاموس: حية صغيرة أو عظيمة تهلك بنفخها، فإن نظرت إلى المساورة فهو من المواصلة- كما تقدم في صال عليه، وإن نظرت إلى الهلاك فهو من الاستئصال، وأصل الماء- كفرح: أسن من حمأة، واللحم: تغير، يجوز أن يكون من الوصلة أي لشدة مواصلة الحمأة للماء والهواء للحم، وأن يكون من الأصيل أي الهلاك بجملته وأصله، وأن يكون من سلب المواصلة؛ وصؤل البعير- ككرم صآلة: واثب الناس أو صار يقتل الناس ويعدو عليهم، وصئيل الفرس: صهيله- لمواصلة نغماته، وهذا وقد مضى عند قوله تعالى في سورة هود عليه السلام: {صلواتك تأمرك} إشارة إلى هذا- والله سبحانه وتعالى أعلم. اهـ.